السبت، 2 مارس 2013

محاسبة إبداعية

محاسبة إبداعية
 
قصد بالمحاسبة الإبداعية أو إدارة الأرباح أسلوب من أساليب التلاعب في الحسابات الممارسة لإخفاء الأداء الفعلي للشركات بغرض تحقيق نتائج نافعة للشركة أو بعض العاملين فيها. وتوصف مثل هذه الأساليب بأنها محاسبة إبداعية” إذا تمت ممارستها دون تجاوز المعايير والمبادئ المحاسبية المتعارف عليها وإنما باستغلال عنصري المرونة والاختيار في تلك المعايير والمبادئ. لممارسة هذه الأساليب أثر بالغ الأهمية في زعزعة ثقة السوق في المعلومات الواردة في القوائم المالية التي تنشرها الشركات، ويعتقد بعض الباحثين أن للمحاسبة الإبداعية دوراً في الانهيارات المفاجئة لبعض الشركات في العقد الماضي، والتي ترتب عليها إخفاق مهنة المحاسبة في الوصول إلى المستوى المتوقع لهذه المهنة.

مصطلحات مشابهة

 
Creative Accounting محاسبة إبداعية
Cosmetic Accounting محاسبة تجميلية
Earnings Management إدارة الأرباح
Income Smoothing تمهيد الدخل
Disclosure Management إدارة الإفصاح
Cooking the Books
Window dressing
 

المفهوم

اصطُلح على تعبير Creative Accounting إشارة إلى لجوء الشركات إلى استغلال الثغرات الموجودة في الأساليب والبدائل المحاسبية المتوفرة لتحسين صورة الشركة في أعين المستفيدين حتى وإن كان على حساب الحقيقة [1]. وهو اصطلاح عام أطلقه نقّاد ومحللوا الأسواق المالية في وصف ممارسات ووسائل تضليل المستفيدين من القوائم المالية، ومن أشهرهم (Griffiths 1986,1995 ) و(Jameson, 1988 ) و(Smith, 1992 ) وأخيراً (Pijper, 1994 ). ويعرّف كل من (Mulford & Comiskety,2002 ) المحاسبة الإبداعية بأنها: "بعض أو كل الخطوات المستخدمة لممارسة لعبة الأرقام المالية متضمنة الاختيار التعسّفي لتطبيقات المبادئ المحاسبية، والاحتيال في التقرير المالي وأي خطوات أخرى متخذة في سبيل إدارة الأرباح أو تمهيد الدخل" ولعبة الأرقام أوNumbers Game هو المصطلح الذي استخدمه (Levitt, 1998) الرئيس السابق لهيئة بورصة الأوراق المالية في نيويورك (SEC) في كلمة له حول التلاعب الممارس في مهنة المحاسبة، والتي حدد من خلالها بعض الأساليب المحاسبية واسعة الانتشار مثلBig Bath وCookie Jar Reserves.
ويعرّف (Naser, 1993 ) المحاسبة الإبداعية بأنها : " تحويل الأرقام المالية المحاسبية من وضعها الحقيقي إلى الوضع الذي يفضّله معدو تلك الأرقام من خلال الاستفادة من القوانين المتاحة أو التغافل عن بعضها أو الاثنين معاً ". ويرى (Amat et al., 1998 ) أن المحاسبة الإبداعية هي : " عملية يستخدم فيها المحاسبون معرفتهم بالقواعد المحاسبية في التلاعب في الأرقام الواردة في حسابات الشركات".
 
مفهوم وطبيعة المحاسبة الإبداعية:
تعد المحاسبة الإبداعية حدثـاً من مواليد الثمانينات، ومن المحتمل أن تكون قد بدأت عندما واجهت الشركات صعوبات في فترة الركود التي حدثت في بداية الثمانينات، وكان هناك ضغط لإنتاج أرباح أفضل بينما كان من الصعب إيجاد أرباح ومن أي نوع. وعندما اكتشفت الشـركات بأن القـوانين تخبـرك فقط بما لا تستطيع فعـله وليس ما تستطيع فعلـه! فإذا كنت لا تستطيع أن تكسب الأرباح فإنك تستطيع على الأقل أن تبتدعها! (McKenzie، 1998، 134)  وفي ذلك الوقت كسبت المحاسبة الإبداعية الوقت للشركات، ولقد استمر الركود الأخير فترة طويلة وقد أُجبرت الكثير من الشركات التي أبلغت عن أرباح”مبتدعة”على التصفية وفي الحقيقة قد يكون هو الركود الوحيد الذي أفلست فيه الكثير من الشركات الكبيرة والمربحة ظاهرياً.
        يمكن إعطاء مفهوم للمحاسبة الإبداعية في ضوء ما ترد من تعاريف عن الكتاب والباحثين في هذا المجال على وفق منظوره في ضوء دراسـته للمحاسـبة الإبداعية إذ كتب   (Griffiths، 1986: 1)  من وجهة نظر الصحفي في مجال الأعمال وأشار”إن كل شركة في البلد تتعامل مع أرباحها بطريقتها الخاصة، وإن كل مجموعة من الحسابات المنشورة تستند إلى أساس الدفاتر التي طبخت بصورة دقيقة أو شويت بصورة كاملة، وأن الأرقام التي يحصل عليها الجمهور المستثمر مرتين في السنة يتم تغييرها كلياً من أجل حماية وإخفاء الجريمة، وتعد هذه أكبر حيلة منذ حصان طروادة. ويضيف … في الحقيقة فإن هذا الخداع يكون معداً بمذاق شهي جداً، وهو شرعي بصورة كلية … إنها المحاسبة الإبداعية”. بينما يناقشها (Jameson,1988: 7-8)  من وجهة نظر المحاسب إذ يقول”تشتمل العملية المحاسبية على معالجة العديد من قضايا الحكم وحسم الصراعات ما بين المناهج أو المداخل المتنافسة من أجل عرض نتائج الأحداث المالية والعمليات التجارية. وهذه المرونة توفر الفرص للتلاعب والغش أو الخداع والتحريف أو سوء العرض. وأصبحت هذه الأنشطة التي ثمارها عناصر مهنة المحاسبة تعرف بالمحاسبة الإبداعية”. أما (Smith ,1992: 9)  فيقول على وفق خبرته كمحلل استثماري”لقد شعرنا بأن الكثير من النمو الظاهري في الأرباح التي حدثت في الثمانينات كانت نتيجة لخفة يد البراعة المحاسبية وليس نتيجة للنمو الاقتصادي الحقيقي. ويضيف، لقد بدأنا في كشف الأساليب الرئيسة الداخلة في ذلك وتقديم أمثلة حية عن الشركات التي تستخدم تلك الأساليب”. غير أن (Naser، 1993: 2)  يقدم مفهومه عن المحاسبة الإبداعية من وجهة نظر أكاديمية فقد عرض التعريف الآتي”إن المحاسبة الإبداعية هي تحويل أرقام المحاسبة المالية عما هي عليه فعلاً إلى ما يرغب فيه المعدُّون من خلال استغلال أو الاستفادة من القوانين الموجودة و/ أو تجاهل بعضها أو / وجميعها”. ويضيف (Amat et al, 1999: 4)  إلى أن (Naser) يدرك النظام المحاسبي في البلدان ألإنكلوسكسونية على أنه عرضه بشكل خاص لمثل هذا التلاعب وذلك بسبب حرية الاختيار التي يُسمح بها. ويعرف (Amat، 1999، 3) المحاسبة الإبداعية بأنها”العملية التي يستخدم من خلالها المحاسبون معرفتهم بالقواعد المحاسبية لمعالجة الأرقام المسجلة في حسابات منشآت الأعمال”. ويقدم (Phillips,2002: 7)  مفهومه عن المحاسبة الإبداعية بكونها عبارة عن وصف شامل وعام لعملية التلاعب بالإبلاغ أو العرض المالي لدوافع خطية إذ يعرفها على أنها”العملية التي يستخدم بها المحاسبون معرفتهم بالقواعد المحاسبية للتلاعب بالأرقام المعروضة في حسابات منشآت الأعمال”, ويعطي (Mulford et al، 2002: 13)   تعريفه عن المحاسبة الإبداعية: (إجراءات أو الخطوات التي تستخدم للتلاعب بالأرقام المالية، تتضمن خيارات وممارسات المباديء المحاسبية، خداع التقرير المالي، وأي إجراء أو خطوة باتجاه إدارة الأرباح أو تمهيد الدخل). ويستعرض (العاني، 2004: 140-141) اصطلاح المحاسـبة المبدعة بدلاً من اصطلاح المحاسبة الإبداعية إذ يصفها نقلاً عن (Amat et al، 2001، 3)  هي”عملية تلاعب بالأرقام المحاسبية من خلال انتهاز الفرصة للتخلص من الالتزام بالقواعد المحاسبية وبدائل القياس وتطبيقات الإفصاح لنقل الكشوفات المالية مما يجب أن تكون عليه إلى ما يُفَضِل مُعِد هذه الكشوفات أن يُبلغ عنه. وهي أيضاً عملية تم من خلالها هيكلة المعاملات لكي تنتج نتائج محاسبية مطلوبة بدلاُ من الإبلاغ عن هذه المعاملات بطريقة منسقة وحيادية.
        ويصف (Bambooweb Dictionary) المحاسبة الإبداعية بأنها تُشير إلى استخدام أو استعمال الممارسات المنحرفة عن الممارسات المحاسبية القياسية أو المعيارية أو المألوفة، وتتميز باستعمال الأساليب والممارسات الحديثة والمعقدة والمبتكرة للحصول على امتياز للدخل، الممتلكات والموجودات، الخصوم. نتائج تلك الممارسات تكون معقدة ومتعبة ومثيرة في التقارير المالية. وجراء ذلك سميت بالإبداع (Creative) وبعض الأحيان تطلق مصطلحات: ابتداع، ابتكار(Innovative) أو مغامر(Aggressive)، ويضيف أن هذه المحاسبة الإبداعية استخدمت بجدية أكبر بقصد تحريف الدخل الحقيقي وممتلكات شركات الأعمال. ويشير أيضاً أن افتراض فشل سوق الأوراق المالية لعام 2002 بسبب التقارير المحاسبية المنحرفة لكل من Enron  وWorldCom  وكيانات أو شركات أعمال أُخرى. في الولايات المتحدة ألأمريكية. أما (Accounting Dictionary) فيستعرض مفهوم المحاسبة الإبداعية بأنه مفهوم عام عن تنظيم الحسابات إذ تعطي فوائد غير قانونية أو مشكوك فيها للحفاظ على كيان الحسابات.
        في ضوء قِراءة ما جاء آنفاً من قبل الباحثين والكتاب وآخرين يتضح للباحث أن المحاسبة الإبداعية تتمثل بعملية أو ممارسة يستطيع المحاسبون استخدام معرفتهم بالقواعد والقوانين المحاسبية لمعالجة الأرقام المسجلة في حسابات الشركات أو التلاعب بها بقصد تحقيق أهداف محددة
                                                                                                              المصدر : د.علاءبطو / 2006
 

أسباب ظهورها

 
عتبر تضارب المصالح بين الأطراف المختلفة ذات العلاقة بالشركة المصدر الرئيس لظهور المحاسبة الإبداعية. فمصلحة المديرين في تقليل الضرائب والأرباح الموزّعة، ومصلحة حملة الأسهم في تعظيم العائد على استثماراتهم، ومصلحة الموظّفين في زيادة تعويضاتهم الإدارية المختلفة، والمسؤولين في تحصيل ضرائب أكثر. وتعدد المصالح – رغم تعارضها - هو ماتسبب في انتشار المحاسبة الإبداعية، وقد ذكر Revsine هذا الأمر في بداية التسعينات الميلادية، أي قبل انهيار Enron، حيث قال:
"It is sometimes in the best interests of one or more of the various financial reporting parties to engage deliberately in what I termed selective financial misrepresentation. For example, these misrepresentations allow managers to achieve bonus goals, shareholders to benefit from higher share prices, auditors to placate clients, standard-setters, regulators and law makers to satisfy political goals, and academics to curry favor from university department contributions and consulting clients."
كما أن الاختيارية في المحاسبة المتمثّلة في بدائل القياس المحاسبي والتقدير والإفصاح التي تتيحها المعايير المحاسبية، والتي تؤثر على مخرجات نظام المحاسبة سواء بالشكل أو المضمون، إضافة إلى الثغرات الموجودة في أساليب التدقيق الخارجي، كلها ساهمت في انتشار ظاهرة المحاسبة الإبداعية.إضافة إلى أن الحاجة إلى التوقعات المستقبلية، والحاجة إلى التقدير والحكم الشخصي، واختلافات توقيت بعض التعاملات المالية، واختلافات تصنيف القوائم المالية، كلها عوامل منحت المديرين الفرص لابتداع الأساليب المحاسبية القادرة على تعظيم المنافع المؤسسية أو الشخصية أو كليهما معاً.
 
أسباب المحـاسـبة الإبداعيـة:
من الأسباب التي جعلت مدراء الشركات والمحاسبين أن يسعوا إلى التلاعب بالحسابات هي: (Amat et al، 1999:7) 
-1 تمهيد الدخل: (Income Smoothing): تفضل الشركات بشكل عام التسجيل في تقاريرها تياراً ثابتاً للنمو في الأرباح بدلاً من إظهار أرباح متقلبة من سلسلة الارتفاعات والانخفاضات الكبيرة في هذا المجال. ويرى (Belkaoui ,2000:48) إن تمهيد الدخـل “هو تسوية مقصودة للدخل المعلن بهدف الوصول إلى المستوى أو الاتجاه المرغوب ويعبر عن رغبة الإدارة في تقليل الانحرافات غير الطبيعية في الدخل إلى الحد الممكن أو المسموح به في ظل مبادئ المحاسبة والإدارة المقبولة”ويلاحظ إن هذا التعريف يحدد أبعاد أنشطة التمهيد بالأنشطة أو القرارات المحاسبية التي تتخذ للمناورة بالدخل في حدود المرونة المتاحة في ظل المبادئ المحاسبية المقبولة عموماً، وكذلك الأنشطة والقرارات التشغيلية المتاحة للإدارة في ظل مبادئ الإدارة والتي من شأنها التأثير في الدخل المعلن للشركة. ويميز عدد من الباحثين أمثال (Van praay، Dahran، Trueman) بين مفهوم تمهيد الدخل ومفهوم إدارة الأرباح (حبيب، 2003: 20) فالأول يعبر عن رغبة الإدارة في تقليل الانحرافات غير المتوقعة في الدخل إلى أدنى حد ممكن، في حين يعبر الثاني عن رغبة الإدارة في الوصول إلى أهداف معينة منها زيادة الحوافز الإدارية أو تقليل المدفوعات الضريبية أو تقليل تكاليف الاقتراض … الخ.وتُعرف إدارة الأرباح من قبل (Sthipper, 1989: 92) بأنها”تدخل مقصود من قبل الإدارة في عملية القياس والإبلاغ المالي الخارجي بقصد الحصول على مكاسب خاصة للشركة أو لإدارتها”. ويعرج (الشيرازي، 1990: 110) على تمهيد الدخل إذ يقول”يقصد بذلك تقليل حدة التفاوت والتقلبات في أرقام الدخل الخاصة بالفترات المحاسبية المختلفة. والممارسات المحاسـبية التي عن طريقها يمكن تحقيق هذا الأثر كثيرة مثل: أُسس تحـقق (توقيت الاعتراف) الإيرادات، أُسس تحقق (توقيت الاعتراف) المصروفات، طرق تبويب العناصر العادية وغير العادية في قائمة الدخل … الخ. وتلجأ إدارة المنشآت إلى وسائل تمهيد الدخل وذلك لتحقيق أهداف كثيرة مثل: التأثير في الضرائب المستحقة، اكتساب ثقة المساهمين وحملة السندات، تجنب التدخل الحكومي …الخ. إلا إنه من أهم دوافع الإدارة لتمهيد الدخل الدوري هو رغبتها في تجنب إظهار التباين في نتائج أعمال المنشأة من فترة إلى أخرى. ومن ناحية أُخرى نجد أن تمهيد الدخل هو نوع من طمس الحقائق أو إخفائها مؤقتاً عن أصحاب الشأن الأمر الذي يؤدي إلى سوء توجيه الموارد فيما بين مجالات الاستثمارات البديلة.
 2- إن مدراء الشركات يمكن أن يضعوا في بالهم التغيير في سياسة تضخيم الدخل من أجل عدم التأثر بالأخبار غير المرغوبة أو المحببة.
3- يمكن للمحاسبة الإبداعية أن تساعد في المحافظة على سعر السهم أو تضخيمه من خلال كلٍ من تقليل مستويات الاقتراض الظاهرية، الأمر الذي يجعل من الشركة تبدو أقل عرضة للمخاطرة، وكذلك من خلال خلق مظهر اتجاه الربح الجيد. وهذا يساعد في زيادة رأس المال من خلال إصدارات الأسهم الجديدة. 4-إذا انخرط المدراء في تعاملات داخلية بأسهم شركتهم، فإنهم يمكن أن يستخدموا المحاسبة الإبداعية لتأخير خروج المعلومات إلى السوق، الأمر الذي يقوي من فرصتهم في الاستفادة من المعرفة الداخلية. 5-يستخدم المدراء الديون المنحرفة بالميزانية العامة (off Balance Sheet Debt) فإذا ما حذفت الديون من حسابات الشركة تنعكس على تقييم أداء الشركة (Phillips,2002:1). 6- التهرب الضريبي عن طريق تقليل رقم صافي الدخل الخاضع للضريبة (حبيب، 2003: 20).

إدارة الأرباح

 
ما كان ارتفاع صافي الربح مؤشراً هاماً للمستثمر يعطي الانطباع عن حسن أداء الشركة وسلامة مركزها المالي، ويقلل من تخوّفه من مستوى المخاطرة المتعلق بها ()، اهتمت الإدارة بتجميل هذا العنصر المحاسبي تحديداً – صافي الربح – واتخذت الأساليب المحاسبية للتحكم في هذه الأرباح، وتوزيعها كما تراه مناسباً في ظل الإمكانات والاختيارات المحاسبية المتاحة، وهو ما يدعى بإدارة الأرباح أوEarnings Management
تُعرف إدارة الأرباح بأنها : " ابتكار مقُترح في إعداد التقرير المالي بنيّة الحصول على منافع خاصة "(). كما ورد تعريفها أيضاً على أنها : "تغيير الأداء الاقتصادي المُعلن للشركة بواسطة الإدارة إما لتضليل المساهمين أو للتأثير في نتائج تعاقدية" ().
و تعد إدارة الأرباح من أهم صور المحاسبة الإبداعية التي تمت مناقشتها في أدبيات المحاسبة. وتأتي على نوعين ()  : الإدارة الحقيقية للأرباح Real Management، والتي تؤثر على التدفقات النقدية، وإدارة الأرباح من خلال إدارة الاستحقاقات المحاسبية Accrual Management، ومن خلال التغيير في التقديرات والسياسات المحاسبية.
والنوع الثاني هو الأكثر انتشاراً، وهو الذي يندرج تحت مفهوم المحاسبة الإبداعية. إذ أن النوع الأول – الإدارة الحقيقية – ربما تضمّن الاحتيال ومخالفة المبادئ. وقد اعتمدت أدبيات المحاسبة بصورة أساسية على دراسة عنصر الاستحقاقات الاختيارية Discretionary Accruals للكشف عن إدارة الأرباح في الشركات، وذلك لأن الاستحقاقات الاختيارية تشكل الفرق بين الأرباح والتدفقات النقدية ().
ويرى عدد من الباحثين (Stolowy & Berton, 2000) (Dechow & Skinner, 2000) أن إدارة الأرباح من هذا النوع –إدارة الاستحقاقات المحاسبية - لا تتضمن تزييفاً للحقائق، بل هي طريقة أخرى للتعامل مع الاختلافات الظاهرة في الأرباح على المدى القصير، وذلك بجلب الأرباح إلى السنة ذات الحاجة ودفع المصروفات عنها.
كما يندرج ضمن إدارة الأرباح أسلوب محاسبي شائع للتعامل مع الخسائر يسمى Big Bath Accounting . حيث تنص فرضيّة Big Bath على تقليل تقديرات المكاسب والأرباح للشركة في فترة معينة مقابل المبالغة في تقدير الخسائر. ويهدف هذا الأسلوب إلى التخلص من الخسائر المتراكمة في سنة من السنوات التي يتم فيها تحقيق الخسائر، وذلك من خلال مضاعفة الخسائر (المبالغة في تقديرها)، لضمان تحسين الأرباح في السنة أو السنوات المقبلة.
كما يرى عدد من الباحثين (Jiang, 2006) (Shuto, 2007) (Stolowy & Berton, 2000) أن لخطط التعويضات الإدارية أكبر الأثر في تبنّي هذا الأسلوب، حيث يتمكن المدير التنفيذي الجديد من وضع اللوم المتعلق بخسارة الشركة على المدير السابق، ويضمن في نفس الوقت زيادة حصته من التعويض الإداري اللاحق، نظراً لارتباطه بنسبة الأرباح، والتي ستكون - بلا شك - أفضل في السنوات القادمة.
 

تمهيد الدخل

يعتبر تقليل تقلبات الدخل واستقرار نموه أحد أهم أهداف المدير التنفيذي، وذلك استناداً على الاعتقاد السائد بأن تذبذب معدل نمو الدخل يزيد من حجم المخاطرة، وأن الشركات ذات معدل النمو الثابت أو المتقارب على المدى الطويل هي الأقل خطراً. لذلك تحاول بعض الشركات قدر المستطاع أن تخفض من هذه المخاطرة بأساليب محاسبية مقبولة تسمى تمهيد الدخل أو Income Smoothing. يعرف تمهيد الدخل على أنه : " أحد أشكال إدارة الأرباح، مصمم لإزالة انحرافات سلسلة الأرباح الطبيعية بما في ذلك خطوات تقليل / حفظ المكاسب خلال السنوات الجيدة لاستخدامها في غيرها من السنوات ". ويحصل الدخل الممهد إما بطريقة طبيعية ناتجة عن الأعمال التشغيلية للشركة، أو بطريقة مُفتعلة ناتجة عن تدخل الإدارة تهدف إلى تحقيق الاستقرار في نمو الدخل. وتشير غالبية الدراسات إلى أنه يمكن للإدارة التدخّل في تمهيد الدخل بأسلوبين : التمهيد الحقيقي Real Smoothing والتمهيد غير الحقيقي، وهو ما يسمى بالتمهيد المحاسبي أو التمهيد الاصطناعي Artificial Smoothing
أما التمهيد الحقيقي، فينتج عن تبادلات تجارية حقيقية وقرارات تشغيلية تستلزم مصاريف معينة أو تنتج أرباح معينة، وتنفذها الإدارة بهدف تقليل تقلّبات التدفقات النقديّة. بينما يكون التمهيد الاصطناعي بواسطة التلاعب في التقرير عن الأرباح أو المصروفات، وتأجيل أو تعجيل الاعتراف بها بين الفترات المحاسبية، وجميع المتغيرات المحاسبية التي ينتج عن التحكم بها دخلاً مستقرّاً دون التأثير المباشر على التدفقات النقدية، ولذلك يطلق عليه البعض التمهيد المحاسبي.وتتم إدارة الأرباح وتمهيد الدخل في الغالب باستخدام أدوات عدّة منها : الضرائب على الاستثمارات، تصنيف العناصر غير العادية في قائمة الدخل، توزيعات الأرباح، مكاسب وخسائر الأوراق المالية، صناديق معاشات التقاعد، مصروفات البحث والتطوير، مصروفات الدعاية والإعلان، المخزون، الإهلاك، وتحويل العملات.
 

كتب ومقررات المحاسبة | حسام أحمد عبدالعزيز الزهير

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

مفهوم النمو الاقتصادي ومقوّماته


مفهوم النمو الاقتصادي ومقوّماته

إن مادة النون والميم والياء أصبحت اليوم جذراً لأهم المصطلحات الاقتصادية التي يتناولها الباحثون الاقتصاديون والسياسيون في شتى المجتمعات.

فمن هذه المادة نرى مصطلحات: النمو، والتنمية، والدول النامية، والدول الأقل نموّاً، إلى آخر تلك المصطلحات.

ويعتبر النمو الاقتصادي من أهم الأهداف السياسية للحكومات في مختلف بلدان العالم، سواء المتقدمة منها أو المتأخرة. وتعتبر برامج التنمية الاقتصادية من أهم أطروحات الأحزاب المتطلعة إلى الحكم، وعلى أساسها يقاس نجاح الحكومات أو إخفاقها، كما تجري على أساسها محاسبة الحكام من قبل شعوبهم.

======================================

ولم تعد التنمية الاقتصادية مجرد قيمة يدعى الناس إليها ويُشَجّعون عليها فحسب، بل أصبحت الشغل الشاغل للهيئات التشريعية والمجالس التنظيمية في البلاد. ومن ثَمَّ أصبحت مناقشة الميزانية، وأسعار العملات، ومعدلات النمو، والتضخم، والبطالة من أهم أعمال مجالس الشعوب وكافة الدوائر الحاكمة.

وعلى أساس هذا المصطلح جرى تصنيف دول العالم إلى دول العالم الأول، والثاني، والثالث كما جرى تصنيفه إلى دول متقدمة، ودول نامية، ودول أقل نموّاً. وعلى أساسه أيضاً تقوم إحصاءات لحساب ما يعرف بالدخل القومي للبلاد المختلفة، وبه يتم تحديد متوسط دخل الفرد سنويّاً.

ولأهمية مفهوم النمو الاقتصادي وأثره في قوة الدول وتقدمها في معترك الحياة الدولية كان لابد من وضع تعريف دقيق له؛ كي يجري بناء الأبحاث الاقتصادية عليه.

وعند إرادتنا وضع تعريف للنمو الاقتصادي علينا أن ندرك أن ثمة فارقاً بين مفهوم النمو في الاقتصاد الرأسمالي، ومفهومه في الاقتصاد الإسلامي نظراً لاختلاف القاعدة الفكرية التي يبنى عليها كلا المفهومين.

ففي الاقتصاد الرأسمالي ينظر إلى التنمية والنمو على أنها هي حل المشكلة الاقتصادية الرئيسة، وهي مشكلة الندرة النسبية للسلع والخدمات بإزاء حاجات الإنسان المتجددة.

ومن ثَمَّ يكون تعريف النمو الاقتصادي عند الرأسماليين هو: الزيادة في إنتاج السلع والخدمات لتكفي الحاجات الكلية في المجتمع وتفيض عنها؛ كي تحقق مستوى أعلى من الرفاهية. والاقتصاد الرأسمالي ينظر إلى النمو على مستوى المجتمع، لا على مستوى الأفراد ويعالج الزيادة في الإنتاج الكلي وفي الدخل القومي، لا في إنتاج كل فرد ومقدار دخله.


وبناءً على ذلك يجري حساب معدلات النمو بناءً على: حساب الإنتاج الكلي الذي ينتجه المجتمع كلّه والدخل الناتج عن هذا الإنتاج، وبناءً على حساب الميزان التجاري وما يحققه من عجز أو فائض في الدخل الكلي، ثم بناءً على هذه الحسابات الكلية يجري تقدير افتراضي لدخل الفرد ومقدار كفايته أو رفاهيته، وهو تقدير يبعد كثيراً عن الواقع نظراً لسوء التوزيع. فيقدر مثلاً أن هذا المجتمع متوسط دخل الفرد فيه خمسة آلاف دولار سنويّاً، وهذا المجتمع ألف دولار وهكذا. وبناءً على هذه المحددات وضعت المنظمات الرأسمالية الدولية تعريفات للدول النامية والدول الأقل نموّاً؛ فقالت مثلا عن الدول "الأقل نموّاً" والتي تُمْنَح مزايا خاصة في اتفاقات التجارة الدولية: هي الدول التي لا يزيد متوسط دخل الفرد فيها عن 1000 دولار سنويّاً.

أما تعريفات "النمو"، أو"التنمية الاقتصادية" بناء على القاعدة الفكرية الإسلامية فإنَّ الاقتصاد الإسلامي لا يجعل التنمية ـ رغم أهميتها ـ هي القضية الاقتصادية الأولى، ولا حل المشكلة الاقتصادية الرئيسة؛ لأن المشكلة الاقتصادية في الإسلام ليست هي الندرة النسبية للموارد، وإنما هي الكفاية الإشباعية من الحاجات الضرورية لدى جميع أفراد الرعية بغض النظر عن وفرة الموارد أو ندرتها. والكفاية لا يُنظر إليها باعتبار المجموع أو باعتبار متوسط الدخل، وإنما يُنظر فيها إلى الأفراد فرداً فرداً، ويتم حلها عن طريق تنظيم توزيع الثروة من خلال الزكاة، ومن خلال رعاية الدولة للفقراء والمساكين.

فإذا استقرينا نصوص الشريعة الإسلامية المتعلقة بالاقتصاد نجدها تُكثر من التشديد على كفاية الفقراء، والمساكين، والغارمين، والمحتاجين بشكل يدلل على أن هذه هي المشكلة الرئيسة، وليست الندرة أو زيادة الإنتاج أو النمو.

وليس معنى ذلك أن الاقتصاد الإسلامي يحط من شأن النمو الاقتصادي وزيادة الإنتاج، ولكنه يجعلها في المرتبة الثانية من الأهمية بعد تحقيق الكفاية والحياة الكريمة لجميع أفراد الرعية.

فإذا ما حققت الدول تلك الكفاية وجدنا أن الإسلام قد أوجب عليها النمو الاقتصادي ولكن بمفهوم يختلف عن مفهوم الرأسماليين؛ فقد أمر الله تعالى الدولة الإسلامية على سبيل الوجوب بالإعداد لقتال الكفار قال تعالى: ]وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم[ (الأنفال/60) والإعداد هنا يشمل حتماً القوة المادية وهي تقدر بقيمة اقتصادية، ورباط الخيل ينطبق على كافة وسائل الحرب من تقانة عسكرية، وآلات، ومعدات، وهذه كلها تحتاج إلى فائض في خِزانة الدولة يتوجّب على الدولة توفيره، وثمة نص آخر يأمر المسلمين أن لا يكون للكفار سلطان عليهم، ]ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً[ (النساء) وهذا النص عام، يشمل بعمومه السلطان الثقافي والعسكري؛ فيتطلب ـ من ثَمَّ ـ من الدولة تحقيق النمو الاقتصادي الذي يحقق هذه المنافسة.

فإذا كان الاقتصاد الرأسمالي ـ كما ألمحنا ـ يعرّف "النمو" بأنه: "زيادة الإنتاج للرفاهية" ولرفع مستوى المعيشة عند مجموع الأفراد، لا عند آحادهم فإن الاقتصاد الإسلامي يعرفه بأنه زيادة دخل الدولة لتحقيق القوة اللازمة لنشر الدعوة ومواجهة الدول الأخرى، أما رفاهية الأفراد وتنمية ملكهم فإن الإسلام يشجع الأفراد عليها من خلال الحث على العمل وتحبيب الغنى والإنفاق والنهي عن المسألة، وينحصر دور الدولة في الإشراف، وتمكين الناس من تنمية ممتلكاتهم.
الآثار الاقتصادية لمفهوم التنمية الرأسمالي

لا شك أن القيادة الفكرية الرأسمالية مخفقة باعتبارها عقيدة تفصل الدين عن الحياة، وهذا الإخفاق من الطبيعي أن لا ينتج سوى معالجات فاسدة لمشكلات الإنسان.

فالنظر إلى مشكلة الندرة النسبية وجعلها هي محور الدراسات الاقتصادية، والنظر إلى زيادة الإنتاج الكلي والدخل القومي، وجعلها هي الحل الأساسي للمشكلة الاقتصادية ـ كل هذا أدى بالاقتصاد الرأسـمالي إلى سوء توزيع الثروة، وإلى طبقية المجتمعات الرأسمالية، وجعل كل نمو أو زيادة في الدخل إنما يصب في جيوب الأغنياء؛ لأن الدولة عندما تهمل تنظيم التوزيع وتتركه للناس زاعمة أن ميكانيكية العرض والطلب ستقوم به على خير وجه، فإن الواقع الذي يحدث حتماً هو أن ثمة قانوناً غير عادل يحكم هذه المسألة، وهو قانون القوة، فالأقوى ماليّاً أو عقليّاً أو جسديّاً يكون أقدر من غيره على حيازة الثروة.

ولهذا نجد المجتمعات الرأسمالية كلما ازدادت غنىً ازدادت أعداد الفقراء فيها؛ ففي أميركا عام 1998 أُعْلِنَ أنه يوجد 20 مليون مواطن بلا مأوىً، وفي عام 2000 بعد تحقيق فائض تاريخي في ميزان المدفوعات الأميركي أُعلِن أنه يوجد بها 35 مليون مواطن بلا مأوىً، وهؤلاء المواطنون فاقدو المأوى لم تناقش الحكومة الرأسمالية إنفاق سنتٍ واحد عليهم من ذلك الفائض المهول، في حين جرى التفكير في إنفاقه على حماية التجارة الأميركية، وحماية حقوق الملكية الفكرية التي تضمن احتكار المنتجات الأميركية للأسواق المختلفة، وحماية المصالح الاستراتيجية الأميركية. وبالتدقيق في هذه المصارف نجد أنها كلها تدور حول تنمية الدخل الكلي المتمثل في تنمية ثروة الشركات الكبرى وهو يؤدي إلى زيادة ثروة الأغنياء وزيادة الفجوة بين الطبقات ومن ثَمَّ إلى زيادة أعداد الفقراء.

فإذا بحثنا في آثار مفاهيم التنمية الاقتصادية الرأسمالية في العالم المتقدم وجدنا أن التنمية لا تغني الفقراء حتى إذا تحققت تلك التنمية بمعدلات واسعة، بل إنها قد تزيدهم فقراً بسبب سوء توزيع الثروة، لكن فضل التنمية الوحيد عندهم هو في زيادة الأغنياء غنى وقوة وسيطرة، ليس على بلادهم فحسب، وإنما على مستوى العالم، فالنمو الرهيب الذي حدث لأميركا في الآونة الأخيرة زادها قوة وعربدة واحتكاراً للتقانة، وهي كلها مزايا مسخرة طبعاً لصالح أصحاب الشركات الكبرى، إذ إن أثر التنمية على الدول المتقدمة هو أن التنمية تقوي الدولة والأغنياء، ولا تنفع الفقراء.

فإذا انتقلنا ببحثنا إلى الدول المتخلفة، نجد أن التنمية الرأسمالية لا تنفع الفقراء ولا حتى الأغنياء وأنها تزيد الدولة والمجتمع فقراً.

والسبب في ذلك أن الاقتصاديين والحكام في البلاد النامية يرون أن التنمية تمر بمراحل ثلاث:

l المرحلة الأولى: مرحلة إنتاج السلع: وفي هذه المرحلة تعتمد الدول النامية على استيراد آلات الإنتاج واستيراد التكنولوجيا من الدول المتقدمة، وتستخدمها في إنتاج السلع التي تسد احتياجات السوق المحلية.

l المرحلة الثانية: التوسع في إنتاج السلع لكفاية السوق المحلي: وفيها المزيد من الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة لتحقيق فائض إنتاجي في السلع؛ لكي يصدر إلى الأسواق الخارجية ليحقق فائضاً في الدخل القومي ليستغل في المرحلة الثالثة.

l المرحلة الثالثة: استغلال الفائض في الميزان التجاري والذي ينتج عن تصدير السلع المنتجة محلياً وتسخير هذا الفائض من أجل إنتاج الآلات نفسها وإنتاج التقانة.

وهذه التنمية الوهمية ما هي إلا تسويق لتقانة الدول المتقدمة، وحيلولة دون منافستها في إنتاجها، وتؤدي إلى مزيد من التبعية الاقتصادية.

في ظل هذه التنمية الوهمية يستحيل على الدول النامية تحقيق فائض في الميزان التجاري؛ لأن أسعار التقانة المستوردة أغلى كثيراً من أسعار السلع المنتجة محليّاً، كما أنها تؤدي بالدول النامية إلى هيكلة إنتاجها على أساس إنتاج السلع، فيكون من المتعسر تحويل الهيكلة الإنتاجية بعد ذلك إلى هيكلة تنتج التقانة لما في ذلك من خسارة مالية كبيرة بالنسبة لتلك الدول.

والواقع المحسوس يؤكد أن الدول التي خضعت أو أُخْضِعَت لمشاريع التنمية الرأسمالية بمفهومها المرحلي لم تخرج من ربقة التبعية منذ أكثر من خمسين عاماً وحتى اليوم، وأنها تزداد اعتمادا على التكنولوجيا المستوردة والآلات المصنعة في الدول المتقدمة.

لهذا السبب فإن التنمية بمفهومها الرأسمالي لا تزيد الدول النامية إلا فقراً، ولا تنفع الفقراء ولا الأغنياء، وليست في صالح الدولة، ولا في صالح الشعوب.
مشروعات التنمية في البلاد الإسلامية

المقصود بالبلاد الإسلامية تلك التي أغلب سكانها مسلمون، وكانت تعيش يوماً ما في ظل الحكم الإسلامي الذي أسقط عام 1924، وهي كلها تصنف ضمن ما يسمى بالبلاد النامية. ولا يقصد بالنامية التي نمت بالفعل، وإنما يقصد الآخذة في النمو، أو بالمعنى الأدق المتّبعة للمشروعات التنموية المقترحة من قِبَل المؤسسات الرأسمالية الدولية.

وهذه البلاد الإسلامية عن بكرة أبيها تنفذ بشكل جاد عدة مشروعات تنموية تَعِدُ الناس من خلالها بأن يخرجوا من عنق الزجاجة، وأن يلحقوا بالعالم المتقدم، وهذه الدعوة ليست عند التدقيق سوى تخدير للشعوب من أجل المزيد من الانتظار... والغرب الكافر الحاقد على الإسلام والمسلمين المحارب لدينهم لا يعد المسلمين في هذه المشروعات إلا غروراً...

وإذا كنا قد تبينا فساد التنمية الاقتصادية بمفهومها الرأسمالي، وآثاره الخطرة على المجتمعات ولا سيما المتأخرة ـ فقد كان هذا بياناً نظريّاً، وهذا البيان النظري لابد أن نتبعه بنظرة تطبيقية لما يجري من مشروعات تنموية في العالم الإسلامي؛ فإذا أنعمنا النظر في التشريعات والقرارات المتخذة من قبل الحكومات نجد المشروعات التالية:

1) فتح المجال للاستثمار الأجنبي: حيث يزعم حكام البلاد الإسلامية أن الاستثمار الأجنبي سيحقق جذباً للتكنولوجيا وللعملة الأجنبية، كما سينشئ مشروعات كبرى سوف توفر فرص عمل للشباب العاطلين.

والحقيقة أن المستثمر الأجنبي يدخل السوق المحلية ليوفر تكلفة منتجاته باستغلال الأيدي العاملة الرخيصة مقابل تلك الباهظة الأجرة في البلدان المتقدمة، كما يستغل السوق المحلية في تسويق منتجاته دون جمارك حيث سيوضع عليها شعار صنع في مصر، أو في السعودية، أو في أي بلد من بلادنا.

كما أن هذا المستثمر الأجنبي يستغل ما يمنح له من امتيازات لن يُمْنَحَها إذا أنتج في الخارج ثم صدّر بضاعته إلى هذه البلاد.

وهذا المستثمر لن يسمح بتسريب التقانة أو بتعليمنا كيف نستغني عنه، وأقصى ما يعلمنا هو كيفية استعمال آلاته الإنتاجية.

أما ما ينتظر من ثمار المشروعات العملاقة فإنه معظمه سيصب في جيب ذلك المستثمر ويؤول الفتات إلى العاملين المحليين.

أما مشكلة العملة الأجنبية (الصعبة) فهي لا تُحَلّ بواسطة المستثمر الأجنبي؛ لأنه علاج لنتيجة المشكلة لا لسببها، أما السبب فهو يتعلق بكون الواردات أعظم من الصادرات ومن ثم فهو يتعلق بالصناعة لا بدخول المستثمر الأجنبي وأمواله.

وأما فرص العمل المنتظرة من رأس المال الأجنبي فهي مع محدوديتها لا تحل مشكلة الفقر في المجتمع؛ لأن القضية هي كيف نوفر الدخل المناسب لجميع أفراد الرعية، وهي مشكلة سوء توزيع لا مشكلة زيادة دخل أو زيادة فرص عمل.

2) الدخول في المنظمات والهيئات الدولية: ففي زعم حكام العالم الإسلامي أن العزلة عن التعامل مع دول العالم غير ممكنة اليوم، ولا سبيل للحاق بركب التقدم إلا بالدخول في المجتمع الدولي، ومن ثم هرعوا جميعاً إلى الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وقبلها إلى صندوق النقد، وإلى البنك الدولي... ولا يخفى على ذي لب أن هذه المؤسسات تعمل لخدمة الدول المتقدمة، واتفاقاتها جميعاً تعمل على فتح أسواق الدول المتخلفة أمام بضائعها، وخفض رسوم الجمارك عليها، وزيادة نفوذ رأس المال الأجنبي والدول العظمى في هذه البلاد.

3) حوافز الاستثمار: يزعم حكام بلادنا الإسلامية أن المستثمرين المحليين هم الأمل في التنمية الاقتصادية؛ لذا لابد من رعايتهم وتحفيزهم على الاستثمار في بلادهم حتى لا يخرجوا بأموالهم لاستثمارها في الخارج.

وهذا التحفيز يكون من خلال دعم مشروعاتهم، وخفض الضرائب عنهم، ومنحهم مختلف المزايا والتيسيرات؛ وبهذا انقلب الوضع: فأصبحت الضرائب تؤخذ عنوة من الفقراء وتقتطع من رواتب صغار الموظفين قبل قبضها، في حين يعفى منها الأغنياء، بل تبذل لهم أموال الدولة في صورة دعم وتسهيلات، وكأن الزكاة في ظل هذا النظام قد وجبت على الفقير في صالح الغني. والمقابل ـ إن نجحت مشروعات هؤلاء المستثمرين ـ أن يزدادوا غنىً وطبقيّة كما هو في الدول المتقدمة، ويزداد الفقراء فقراً وعوزاً.

أما مسألة جذبهم حتى لا يخرجوا بأموالهم فهذا حل غير عملي، أولاً لأن جذب الاستثمار في ذاته ليس غايةً، بل الغاية هي الاكتفاء الذاتي زراعيّاً وصناعيّاً. وثانياً لأن جذب الاستثمار يكون بالتحول إلى دولة تقانية تقوى على المنافسة، وهذا لن يتم إلا بالتخلي عن مراحل التنمية المشار إليها آنفاً.

ومن الناحية العملية نجد أن استثمارات العالم العربي في البنوك الأجنبية في تزايد مطّرد. وجدير بالذكر أن حكام تلك البلاد الذين يرفعون شعار جذب الاستثمار أكثر الناس استثماراً للأموال بالخارج.

4) تحديد النسل: في ظل عجز حكام العالم الإسلامي عن مواراة سوأة أنظمتهم، وفي جو قد شحن بفكرة صعوبة أو استحالة تحقيق الاكتفاء الذاتي، قد عمدوا إلى إيهام الشعوب أن مجرد توفير القوت لهم ـ وبلادهم أكثر بلاد العالم غنىً بالموارد ـ قد بات شبه مستحيلٍ، وأن السبب في ذلك لا يرجع إلى فساد النظام الرأسمالي المطبق، ولا إلى فساد الحكومات وامتلائها بالنفعية والرشوة، بل يرجع لكثرة النسل.

وبغض النظر عن تجاوب الرأي العام مع هذه الدعوى فإن فيها صرفاً شديداً لأنظار الناس عن السبب الحقيقي للأزمات الاقتصادية.

5) مشروعات السلام: يزعم حكام العالم الإسلامي زعماً تردده وسائل إعلامهم ليل نهار، وهو أن الدمار الاقتصادي الحادث في بلادهم سببه ما كان في الماضي من حروب وصراعات سياسية داخلية أو خارجية، وأن السلام والاستقرار هما أساس التنمية.

وهذا الزعم يقصد به صرف الأذهان عن السبب الحقيقي للدمار الاقتصادي، كما يقصد به تثبيت حكم هؤلاء الحكام بإيهام الناس أن العمل ضدهم سيؤدي إلى مزيد من الفقر، كما يقصد به أيضاً تمرير مشروعات السلام المحرّمة توسلاً إلى الناس بالوعود بالرخاء المزعوم.

وبعيداً عن الهدف من وراء هذه المزاعم فإن الواقع والتاريخ يكذبها؛ فالواقع يشهد كيف أن أكثر الدول حرباً تتمتع برخاء اقتصادي، كدولة يهود، وأميركا، ولا سيما دولة يهود فهي في حالة حرب دائمة في الخارج، وفي حالة عدم استقرار في الداخل. وأما التاريخ فنجده يشهد بذلك أيضاً؛ فتاريخ الدولة الإسلامية يؤكد أنها لم تخل من فتن داخلية، وجهاد، وحرب خارجية، ورغم ذلك كانت غالباً على درجة من الغنى كبيرة، وأن أشد حالات فقرها أقل بكثير مما هو في الواقع المعاصر.

6) توسيع الرقعة المزروعة: من جملة هذه الحلول التنموية الترقيعية، فكرة أن المشكلة هي كثافة السكان مع نقص الموارد وعدم كفاية القوت، وأنها السبب في الخلل، ومن ثم لابد من البحث عن مصدر آخر لزيادة القوت... وأكبر مثال على ذلك ما تقوم به الحكومة المصرية من مشروع توشكى، واستصلاح الصحراء بها، ومد فرع من النيل إليها، بناء على زعم أن الوادي الضيق قد ضاق بأهله وأصبح لا يفي بقوتهم ولابد من الخروج منه.

والفكرة لا يعاب فيها استصلاح الأرض، ولكن الذي يعاب هو سوء فهم المشكلة الاقتصادية، فالقوت ليس قليلاً، وإنما أكثره يصدر بأبخس الأثمان بغية الحصول على العملة (الصعبة) لشراء التقانة المحتكرة من قبل الغرب. وأن الحل ليس في توشكى ولا في استصلاح صحراء مصر كلها طالما أن البلاد مُسيطَر عليها من قبل الاحتكاريين الاستعماريين في الغرب، ولا مخرج من الأزمة الاقتصادية إلا بنبذ المشروعات الغربية الرأسمالية وتطبيق الإسلام.

جدير بالذكر أن مشروعاً كهذا في مصر وإن كان غير مدعوم بثقة الناس إلا أنه يستهلك الرأي العام ويصرفه عن التفكير الصحيح.

هذا بعض ما يدار من مشروعات تنموية في البلدان الإسلامية، وكلها تقوم على الفكرة الرأسمالية التي تعتقد في الندرة النسبية للموارد، وفي أن حاجات الناس أكثر، ومن ثم لابد من زيادة الموارد بغض النظر عن توزيعها.
التنمية الاقتصادية المثلى والحل الصحيح

حتى لا يكون ما سبق هو نوع من النقد الهدّام أو الرفض للرفض، نسوق هذه الأفكار إلى المخلصين من المسلمين ليعملوا لها من أجل إصلاح الحال الاقتصادي الفاسد في البلاد الإسلامية، بل في العالم بأسره. وهذا الحل يقوم على الأسس التالية:

1) القيادة الفكرية الإسلامية هي وحدها الصحيحة، وهي وحدها القادرة على حل مشكلات الإنسان بحلول صحيحة منبثقة عن كتاب الله وسنة رسوله وما أرشدا إليه من أدلة شرعية.

2) النظرية الاقتصادية الإسلامية طُبّقت بنجاح منذ أقام الرسول r الدولة بالمدينة حتى سقطت في مطلع القرن العشرين، وهي وإن أسيء أحياناً تطبيق بعض الأحكام فيها إلا أنها كانت في أكثر الأحوال تتمتع برخاء اقتصادي وصناعي وثقافي يتناسب مع وضع الدولة الأولى في العالم. وأما ما يروى من الإسراف في جمع الضرائب أحياناً من قبل العباسيين والعثمانيين والمماليك فلا يبلغ معشار ما يجبى اليوم من ضرائب في العالم المتقدم أو المتأخر، وإنه وإن كان لا مبرر اليوم للضرائب الباهظة، لكنه بالنسبة لتلك الدولة الإسلامية يبرره ما كانت فيه من حروب مستمرة وفتوحات. كما أنه رغم الضرائب يندر أن تروى أخبار للدولة الإسلامية تشبه جائعي الدول المتقدمة أو المتأخرة. اللهم إلا في حالات المجاعات أو الحروب.

3) فلسفة النظرية الاقتصادية في الإسلام تقوم على الكفاية أولا للمحتاجين من بيت المال ومن الزكاة، وهذا ليس تشجيعاً على البطالة كما يزعم المرجفون، بل هو حق للفقير، وهو في أساسه حماية للغني من خوف الفقر وتشجيع له على المغامرة واستغلال رأس ماله في المجتمع باطمئنان.

4) سر التنمية الاقتصادية هو في صناعة الآلات وامتلاك تقانتها، لا في استيرادها واستخدامها في إنتاج السلع، وجدير بالذكر أن النبي r قد أرسل في فترة مبكرة من الدولة الإسلامية صحابيين يتعلمان صناعة الأسلحة في جرش اليمن.

وسر القوة التقانية هو في امتلاك التقانة العسكرية؛ لأنها أساس التقانة المدنية وأساس النهضة الاقتصادية بعامة للأسباب التالية:

أ ـ أغلى الآلات المستوردة هي الأسلحة، فإذا أنتجناها وفرنا أموالاً طائلة تنفق دون داع في شراء هذه الآلات.

ب ـ الأسلحة هي آلات قتال تستخدم في الحرب، أما في حالة السلم فإن أكثر هذه الآلات تستخدم في الحياة المدنية، ومن ثم فإن من يتقدم في هذه يتقدم في تلك بالضرورة. وجدير بالذكر أن أوائل الصناعات المدنية الكبرى في عصرنا هذا قد أنتجت للاستخدام الحربي أولاً، وعلى رأس هذه الصناعات: السيارات، وأجهزة الكمبيوتر، وشبكة الإنترنت.

ج ـ الإسلام حرّم أن يسبقنا الكفار في القوة العسكرية بشكل يجعل لهم سلطاناً علينا. ]ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً[ (النساء).

وأوجب الإعداد المستطاع ]وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم[ (الأنفال/60) ومن ثم تصبح التقانة العسكرية واجبة في حقنا نحن المسلمين.

5) امتلاك التقانة لا يحتاج كما يزعم الانهزاميون إلى عقود طويلة، بل هو فقط يحتاج إلى تمويل، والمال موجود عند المسلمين رغم الفقر المشاهَد، وذلك لأن المشكلة هي مجرد سوء توزيع؛ كما أن أخذ المال من المسلمين لإقامة واجب شرعي كهذا يعتبر أخذاً مشروعاً بشرط أن يؤخذ من الأغنياء. ويجدر بالذكر أن المسلمين إذا دعوا إلى الإنفاق في سبيل الله وإلى امتلاك تكنولوجيا عسكرية فإنهم يبذلون أموالهم عن رغبة وسعادة، وليس أدل على ذلك من تظاهرات الفرحة التي قام بها الباكستانيون عند إنتاج القنبلة النووية واستعدادهم لتحمل الفقر في سبيل ذلك.

6) التقدم الاقتصادي يستلزم تطبيق النظام الاقتصادي في الإسلام كله باعتباره أحكاماً من عند اللّه، وهذا بدوره يستلزم تطبيق كافة أحكام الإسلام وعلى رأسها نظام الخـلافة.

7) لابد من نبذ الأفكار والمشروعات الرأسمالية الاستعمارية، وطرد النفوذ الغربي من بلادنا، وعدم اللهاث وراء المعالجات المحرّمة بحجة المصلحة والضرورة.

8) الخطوة العملية الأولى في كل هذا هي العمل مع التكتل الصحيح لإقامة دولة الخـلافة الراشدة لتطبيق أحكام الإسلام في الحكم والاقتصاد والاجتماع وغيرها...

]وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذين ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون[ (النور) q





الديون و كيفية ادارتها (التخلص من الديون)

الديون و كيفية ادارتها الدّيون من أشد وأثقل الأمور على الإنسان، فهي تجعله مقيداً مكبلاً غير قادر على أن يتحرك أية حركة، بسبب ملاحقة ا...